الارشيف / أسواق / إقتصاد

مبادرة نسائية تكافح التمييز ضد المرأة

القاهرة - جمال سالم- " وكالة أخبار المرأة "

رغم العديد من التشريعات المنصفة للمرأة، ما زالت تعاني من بعض العادات والتقاليد البالية التي تنظر إليها نظرة دونية تتم ترجمتها في الكثير من أشكال العنف الجسدي واللفظي. هذا الواقع استفز المخرجة الشهيرة نيفين شلبي، ودفعها إلى تدشين مبادرتها "عين السمكة"، التي حملت فعاليتها الأولى عنوان "كلنا معاكي"، لتوظيف الفن في خدمة قضايا المرأة ومكافحة كل أشكال التمييز ضدها، ليس على مستوى مصر فقط، بل والمطالبة بأن تكون هناك مبادرات مماثلة في مختلف الدول العربية، تتعاون في ما بينها لتبادل الخبرات، لأن هموم النساء العربيات متشابهة.
تؤكد المخرجة نيفين شلبي، أن فكرة المبادرة ليست وليدة اليوم، وإنما هي نتاج رصد لمعاناة المرأة المصرية بخاصة، والعربية بعامة، ذلك لوجود نوع من التشابه بين بعض القضايا التي تتعرض فيها المرأة للظلم والتنمّر والتهميش، من خلال أسرتها قبل الزواج وبعده، وكذلك للظلم المجتمعي، خاصة إذا تعرّضت لظروف خارجة عن إرادتها، كأن تكون قد سُجنت بسبب مبلغ بسيط لم تستطع سداده في عملية تجهيز بناتها، أو توفير بعض مستلزماتها الحياتية، سواء كانت متزوجة أو مطلّقة أو أرملة.
تشير نيفين إلى أنها قررت اختيار اسم "عين السمكة" لمبادرتها انطلاقاً من عملها في مجال الإخراج، حيث هناك عدسات كاميرات تُسمّى "عين السمكة"، وهي تتميز برصد أكبر مساحة عرضية بأدق تفاصيلها، وهذا يتوافق مع المبادرة التي تستهدف رصد كل مشكلات المرأة، مع ترتيب الأولويات على أن تكون البداية بقضايا "العنف ضد المرأة"، في مختلف مراحل عمرها، وذلك من خلال الأعمال الفنية، وخاصة السينمائية الوثائقية، التي تهدف الى مناصرة قضايا المرأة وتغيير الثقافة السلبية لدى الرأي العام عنها، ولهذا كان التدشين من خلال معهد "غوته"، وهو مؤسسة دولية تهتم بحقوق الإنسان، وتُعنى بتطوير الثقافة، و"كلنا معاكي" كان عنوان أول فعالية تنطلق بدعم من مشروع التحرير "لاونغ"، ومؤسّستي "حياة" و"دروسس".
وتوضح نيفين شلبي أن الفعالية الأولى من المبادرة، تضمنت ثلاثة أجزاء، أولها: معرض فوتوغرافي لنساء من كل المستويات الاجتماعية، في أثناء ممارستهنّ عملهن، ومنهن: الطبيبة والسائقة ومديرة البنك وصانعة الخبز، وغيرها من المهن، وثانيها: عرض الفيلم الوثائقي "نقطة من أول السطر"، وهو من إنتاج مؤسسة "حياة للتنمية والدمج المجتمعي" بدعم من مؤسسة "دروسوس"، ويقدّم الفيلم تجارب حيّة وحقيقية لسيدات خرجن من المؤسسات العقابية وأُعيد تأهيلهن اجتماعياً ونفسياً، حتى يندمجن مرة أخرى في المجتمع، وتوفير فرص عمل لهن، وهو من إخراجي أنا، وثالث الأجزاء ندوة بعنوان "الصورة النمطية للمرأة العاملة المعيلة في السينما والدراما"، والمشكلة أن المرأة غير الواعية تساهم مباشرةً أو غير مباشرة في تكريس ظلم المرأة وترسيخه منذ الصغر، وذلك من طريق التمييز السلبي بين أولادها.
وتؤكد نيفين أن مبادرتها تُعدّ تتويجاً للعديد من أفلامها المناصرة لقضايا المرأة، وأهمها: "نساء من مصر" و"مروة عن التحرّش الجنسي"، وغيرهما من الأعمال التي أهّلتها للفوز بالكثير من الجوائز.
تجارب حيّة
تقول الدكتورة نيرمين البحطيطي، المدير التنفيذي لـ"مؤسسة حياة للتنمية والدمج المجتمعي"، إنها سعيدة جداً بالتعاون مع مبادرة "عين السمكة الثقافية السينمائية"، التي تُعدّ نموذجاً راقياً لتوظيف الفن الهادف في نقل التجارب الحية، ولهذا استضافت مؤسسة "حياة" المبادرة، وصُنع الفيلم الوثائقي "نقطة من أول السطر"، بالاستناد الى تجارب حقيقية تتعاون مع المؤسسة، وتسعى لإقامة حياة سوية بعد تجربة السجن المُرّة، التي تجعل من يعيشها يعاني "الوصمة المجتمعية". وتفجّر الدكتورة نرمين مفاجأة إذ تكشف عن السبب الذي حمّسها للتعاون مع المبادرة، مؤكدةً أنها في بداية حياتها عاشت تجربة مُرّة بدخولها السجن ظلماً، وبعد خروجها من السجن طلّقها زوجها، فألفت كتاباً عن تجربتها الحياتية عنوانه "أنا مطلقة... ولن أخجل"، لتكون بذلك نموذجاً للمرأة التي تخرج من تجاربها أقوى مما كانت، فعلى المرأة أن تتعلم من تجاربها المُرّة، ولهذا فإن مؤسسة "حياة" تنشط في الكثير من المحافظات لتأهيل السجينات والسجناء وأُسرهم لبدء حياة جديدة، وذلك من خلال التدريب على مهن شريفة والتعاون مع أهل الخير والمؤسسات الدولية، مثل "دروسوس" السويسرية التي تسعى الى خدمة قضايا المرأة في العالم، وهي غير ربحية وتدعم المؤسسات الجادّة.
تفاعل إيجابي
أما المخرجة أماني الفقي فتقول عن المبادرة التي دشّنتها المخرجة نيفين شلبي: "نجاح أي مبادرة يُقاس بمدى إيمان صاحبها بها وقدرته على التفاعل مع الآخرين، من خلال استخدام أدوات التفاعل والتواصل، ومنها "الفن" الذي يعد من أهم الوسائل التي تعرض لمختلف قضايا المرأة، من طريق الأشكال الفنية المختلفة، خاصة السينما التي تعتمد في الأساس على الصورة.
وتطالب أماني الفقي بأن تتصدّر قائمة المبادرة، قضايا العنف بكل أشكاله، خاصة الضرب والتحرّش والاغتصاب وزواج القاصرات، الذي يُعدّ قتلاً لبراءة البنات في سنّ مبكرة، وكذلك ختان الإناث، إضافة إلى السعي لسنّ تشريعات منصفة، ليس للمرأة المصرية وحدها، بل للنساء العربيات، وذلك للتشابه الكبير بين همومهن. وتحضّ الفقي رائدت الفن في الوطن العربي على إطلاق مبادرات مماثلة لمبادرة "عين السمكة"، والتعاون لتكوين "لوبي نسائي" يتبنى قضايا المرأة، التي لن تتحمّس لها إلا النساء، مع اعترافنا بأن هناك عقليات رجالية مستنيرة مساندة لقضايا المرأة، إلا أن صاحبات الهمّ النسائي لا بد من أن يقدن، ومن خلال الفن حركة تُعنى بكل أشكال الظلم والتمييز ضد المرأة. وتختتم أماني الفقي كلامها موضحةً: "صاحبة المبادرة هي صديقتي الصدوقة، وأعرف قدراتها على تحقيق أهدافها، بمساندتنا وتعاوننا المشترك معها، فليس مهماً أن نرفع الراية ضد الظلم الذي تتعرض له المرأة المصرية والعربية، بل الأهم هو تطبيق نصوص الاتفاقيات الدولية الرافضة لكل أشكال الظلم والتمييز ضد المرأة، وعلى رأسها اتفاقية " السيدو".
الرأي العام
يشجّع المخرج المسرحي أحمد السيد، المشرف على مادة التخرّج في مشروع نيفين شلبي للدبلومة الثقافية، المبادرة على التعاون مع مختلف مؤسسات الدولة التشريعية لتغيير التشريعات السلبية، وتطبيق تلك المنصفة، لأنّ هناك تقاعساً أو تراخياً في ترجمة القوانين على أرض الواقع، كما لا بد من التعاون مع وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم والثقافة، لنشر التوعية بخطورة العنف الأسري تجاه الفتيات أو الزوجات، والاستيلاء على إرثهنّ بحجّة المحافظة على ثروة الأسرة.
ويشير أحمد السيد إلى أنه من أكثر المتحمّسين للمبادرة، وهذا ليس فقط لكونه صديقاً فنياً لصاحبتها منذ وقت طويل، بل لأن فكرة المبادرة تقوم على توظيف الفن في علاج قضايا التمييز العنصري ضد المرأة، في العمل أو القوانين بعامة، كما تسعى المبادرة الى تعليم صناعة الأفلام الوثائقية ونشرها، من خلال إطلاق ورش عمل في التخصّصات السينمائية المختلفة، من إخراج وكتابة ومونتاج، لتدريب الشباب في المحافظات، إضافة الى تنظيم عروض لتلك الأفلام، وحلقات نقاشية حول قضايا المرأة وطرح حلول لها، كما من المقترح إقامة مهرجان سينمائي عن قضايا المرأة.
ويُنهي أحمد السيد حديثه مؤكداً أنه ومن خلال أعماله الفنية وعلاقاته بالمؤسسات الثقافية في مصر والوطن العربي، سيبذل قصارى جهده لجعل المبادرة قضية رأي عام، لأنها تستحق ذلك باعتبارها إحدى الأدوات الناجحة في تغيير الواقع المؤلم للمرأة الشرقية، التي تعيش في مجتمعات ذكورية.
الدعم العربي
تعلن الدكتورة هدى بدران، رئيس الاتحاد النسائي العربي، عن تأييدها لكل المبادرات الإيجابية المناصرة لقضايا المرأة، ومنها مبادرة "عين السمكة"، والسعي الى التعارف بين المبدعات العربيات، لأن الفن يلعب دوراً إيجابياً في كشف الأمراض المجتمعية التي تعانيها المرأة وتقديم الحلول العملية لها.
وتلفت الدكتورة هدى بدران إلى أن هناك تشابهاً كبيراً بين مشكلات النساء العربيات وهمومهن، ولهذا يمكن المبدعات العربيات تبنّي مبادرات شبيهة مع تبادل الخبرات، لأن هذا نوع من التعاون الإيجابي في التفعيل الحقيقي لكل المواثيق الدولية، التي وقّعت عليها الدول العربية، لكن بعض بنودها لا يزال حبراً على ورق، بعد أن رفضتها التقاليد البالية التي تسود المجتمعات العربية، رغم وجود النصوص القانونية التي بعضها منصف والبعض الآخر يحتاج إلى تعديل أو تفعيل، حتى لا يكون الواقع في وادٍ والتشريعات في وادٍ آخر، ولا شك في أن الفن له دور مؤثر لأنه ينقل مشكلات الواقع كما هي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا